السبت، 15 نوفمبر 2008

قصة قصيرة: أمان سوزان وقصة حرمان... تأليف الكاتبة فاتنة نورس مزيد

أمان سوزان وقصة حرمان
للكاتبة السورية: فاتنة نورس مزيد
أمان سوزان وقصة حرمان
سوزان تميم 1977- 2008

في 23/ 9 أيلول سبتمبر /1977 ولدت سوزان تميم بصوتٍ يبكي وعينان تدمعان وكأن الحياة أنجبتها رغماً عنها وكأنها ظلمتها وأخرجتها من عالمها الجميل داخل رحم والدتها.
كانت منشغلة بالبكاء عندما لمست الحياة واستنشقت هوائها العكر, فرأت عينان حملتها داخل عالمٍ جميل فتوقفت عن البكاء وأحبت تلك العينان فناداها الصوت الحنون بابتسامة وفرح الدموع .. سوزان..
فُتحت أوراقها على كتفيها تحت اسم سوزان عبد الستار تميم والدتها ثريا الظريف تاريخ ميلادها 23/9/1977م.
كانت طفلة عادية تتعرف على كل من حولها من أصواتهم التي تجهلها فكان الجميع يناديها سوزان فارتاحت فهو اسمها ودامت هادئة بما أنها إلى جانب تلك العينان التي أحبتها وهي عينان والدتها فكانت تحدثُ سوزان تلك العينان بلغتها فلا ترى جواباً فكانت عينا أمها ترافقها دائماً فتحس سوزان أنها بأمان.
مضت السنوات وتكاثرت الأيام وكبرت سوزان فبدأت تضحك وتبكي على ما يعجبها وما لا يعجبها وتنادي ماما إلى أمانها وتنظر إلى شخصٍ تراه دائماً لكنها لم ترتاح يوماً إلا مع صاحبة تلك العينان التي أحبتها فمرت الأشهر مستقبلةًً أول خطاها على الأرض تنظر إلى عالمٍ مستوٍ فيه جنةٌ ونار وبدأت سوزان الطفلة خطاها الأولى خائفة من أن تقع... وما أكثر صدماتها, فقد وقعت مراتٍ ونهضت ببطء ومرت السنة الأولى على ولادة سوزان فصفقت لنفسها وغنت بلغتها التي لا يفهمها البشر ونامت لتستيقظ على أول أيامٍ من سنة جديدة.. ومرت الأشهرُ وتكلمت سوزان وصرخت وغضب وبكت وتألمت ومرضت ولكنها كانت بأمان وبقيت أمام عيني والدتها فقد تحدثت بلغة البشر مع والدتها وباتت تفهم التأنيب والفخر.. وتتعلم كل ما يجول من حولها وحين تسمع صوتً يغني كانت تصغي وتراقب وتقف فوق كرسيٍ بعد شغفٍ وعذاب وتقلد ما تسمعه وتغني ما تحفظه من العبارات فسمعها من حولها ولمسوا عندها صوتاً جميلاً حنوناً ناعماً يلامس الضحكات فكان والديها يصفقان لها وهي تبتسم بآهات فتعودت بعد سنوات أن تقف وسط الشارع وفوق كرسيٍ تغني والكل يسمعها بابتسامةٍ وإعجاب.
فقد نشأت موهبتها وكثُر مستمعيها فكانوا اثنين ثم أصبحوا عشرون.. وذات يومٍ فقدت الأمان لساعات لأنها وجدت من حولها طفلاً وضعوه في أحضانها نادوه أخيها فكررت أخي وعانقته بدمعتين فَرحتين ووجدت من تحبه كالعينين اللتان أصمتاها يوم ولدت فقد رأت بدموع من في أحضانها أياماً وذكريات وأماناً جديد آخر.
كثُرت الصور ومرة السنوات وكبرت وأصبح لديها من يرافقها إلى المدرسة وتمسك يده وهي تكبره وتقوده إلى الصواب وتعلمه القليل مما تعرفه من الحياة فكل طريقٍ سيء أو جيد يمرّ في حياتها كان يعلمها أنها عندما تخاف تركض إلى منزلها فارةً من خوفها إلى الأمان.. فكان أمانها والدتها ووالدها وأخيها وقليلاً من الحنان, تراكمت الآهات وبدأت الخلافات.. فأخذوها في تلك الليلةِ هي وأخيها إلى بيتٍ جديد فيه مقربين منها وكانت تستيقظ ليلاً تنادي تلك العينين.. فلا تجدهما فتبكي وتصرخ رغم أنها لم تعد طفلة فعاشت سنواتٍ من الحرمان والقلق.. رغم أن هناك من يعوضها عن والدتها لكنها لم ترضى بدلاً عنها فاقتربت منها جَدتها وكادت تصبح مكان والدتها لكن سوزان وضعت فرقاً بينهما فلم يحل يوماً أحداً مكان والدتها أمانها.
رغم ظروفها رغم حرمانها رغم عذابها كانت تتابع دراستها وأنهت مرحلتها الثانوية وذهبت لتدرس في الجامعة وبعد أكثر من عام وجدت الحُب وأحست بقليلٍ من الأمان بشابٍ رأتهُ في الجامعة فتوعدا والتقيا حتى تفاهما وأحبا بعضهما لكنهما لم يتشابهان في الآراء ولا الأفكار فما كان يجمعهما حبُ طفلةٍ عاشت حرماناً في مرحلتها المؤسفة وفقدت من تعودت عليها سنوات فجربت الخطأ في حياتها لتنتقم لمأساتها وحرمانها ولتكون لأول مرة تتحدى قدرها فتزوجت ذلك الشاب سراً دون أن تأخذ رأي أحد.. فهربا معاً إلى منزلٍ جديد كان يزوره الحُب يوماً والقهرُ يوماً والعذاب يوماً ويحيطه انتقامٌ من فقدان الأمان فلم تكن سوزان سعيدة تماماً فقد فكرت بما فعلت في غفلتها فعادت إلى صوابها وقالت: لقد فات الأوان.
تابعت في نزوتها حتى شاركت في برنامج ستديو الفن في عام 1996م وقد عاشت فرحاً لم تعشه من قبل بل أحست القليل منه عندما كانت تحضن أخيها لأول مرة, فقد عادت صور الذكريات تعيدها إلى طفولتها وماضيها وكأنها لا تزال طفلة فوقفت عندما سمعتهم يقولون سوزان ونالت جائزة البرنامج ( ميدالية ذهبية عن فئة الأغنية الشعبية عن محافظة بيروت ) وضعتها أملاً وجبلاً كبيراً على عنقها فما حملتهُ وعلقتهُ على عُنقها كان أكبر لحظات فرحها فعاندت قدرها بصوتها وغنت وتخلت وتألمت وبحثت عن أمانٍ جديد وسافرت تنادي في أحلامها والدتها التي كانت في طفولتها تداعب شعرها تلامس جبينها وتُقبلُ خدها فصرخت ممزقةً أوجاعها أمي.
يال طيش القهر والأسى.. يال مصائب البشر التي لا تُنسى عادت إلى طفولتها تجتث منها دموعها التي تنهار غاضبةً على قدرها باحثةً على أمانٍ في غربتها فغمرت آلامها ولملمت جروحها وغنت عذابها بصوتها المجروح وعادت من غربتها بعد سنواتٍ أمضتها تنادي أمانها تنادي استقرارها هاربةً من أوجاعها تبحث عن دواءٍ لجروحها فغمرت دفئ الأمان في قلبها وبكت وبكت وبكت.
عاد الأمان لها بعد عذابها.. وعاد معها عَدلُ الحياة وإنصافها فلم تعود إلا وعادت معها مشاكلها فقربها منه وخلصها من جزءٍ صغيرٍ جداً من همومها فأخذ منها توقيعاً على عقدٍ دام وأصاب مستقبل غنائها.
أصدرت أول ألبوماتها الغنائية تغني بها ساكن قلبي للمذكر بل كانت تقصد في غنائها حبها لتلك العينين وتعلقها بأمانها فباتت كالساحرات ترمي جمالها على أعيُنٍ خائنةٍ تَعِدها بالانهزام وتحطم لها أحلامها فعاشت سنتين نجمةً أتت من السماء وهبت على الأرض ففجرت الكون فرحاً وزعت العمر ورداً أبيضاً تشكر الله به أملاً.. فشعَرت أن من أوصلها وأعادها إلى أملها ذو فضلٍ كبيرٍ عليها فعاشا قصة حُبٍ تشبه التي قبلها فتزوجا وعاشا أشهراً أجمل من كل ما مضى في الحياة حتى اختلف الحُب فخانها القدر مرةً أخرى ونعتها بالظالمة وأعادتها نظراتها التائهة إلى هربها فحملت معها أمانها باحثةً عن أملٍ جديد فكانت شموعها تغص وتنطفئ على الفور فلم يكن ضوء شموعها يطول حتى يكبوا عليها ماءً قاهراً يدمرها فعاشت انهياراً نفسياً لا تحسد عليه فمُنعت من الحياة وحياتها الغناء.. فعاشت تسرقُ النَفس باحثةً عن أحدٍ يفك الحبال عن عُنقها لتستنشق أنفاسها بحقٍ دون قيودٍ تربطها.
فمن كانت تهبهُ الحب كان يملكها ويطوقها ويكاد يخنقها فمن يحبها وتنبذه كان ينتقم منها فغمرها الأمان بلطفه وأرسل لها من يُنقذها بعد سنةٍ من الآلام والأوجاع فجعلها إمبراطورة على عرش الفن وأمن لها كل ما تريده وحقق أحلامها لكن غدرهم أقوى من قواه فدامت الآلام وكان بها يعوضها, فشخصٌ يعذبها ويحرمها غنائها وشخصٌ يهدئ بالها ويعدها بأنها ستعود نجمةً تلمعُ في عالي السماء.. فكانت حياتها جمراً وثلجاً.
تقلبت أوراق الزمان ومرت بتعبٍ وعناءٍ تلك السنين.. وسوزان جالسة يملأ عيناها الشوق الحزين ويحيط بها اليأس والأنين..
معقدةٌ هي الرواية بين الأمان والحنان والدموع تبعثرت القصة وضاعت بين الهرب والتقوت فكان مصيرها أن تذهب إلى الموت بيدها لكنها نجت منهُ مرةً ومرةً أخرى أصابها ففي 28/7/2008 ذبحوها وفي سبع دقائقٍ أصبحت روحاً تسمع وترى لكنها لا تحزنُ ولا تفرح ولا تبكي ولا تضحك إنها روحٌ لا تُرى لكن قاتلها يراها ويؤلمهُ جداً إيقاظ الضمير التي يوبخهُ على ما فكر به من أفكار الشياطين وهو لا يمتُ للبشر بصلةٍ فكفانا يا بشرُ ظلماً فربنا لا ينسانا إن نسينا نحنُ ما ارتكبنا والله أكبر منا جميعاً ففي صفحاتٍ قليلة كتبتها لكنها تستحقُ مئات الصفحات, لكن العتب على القارئ الذي لن يتحمل قراءة أكثر من هذه الصفحات فعذراً عذراً..
لا تبحثوا عن أخطائي النحوية بل ابحثوا عن معاني كلماتي القلبية التي وصفت بها مظلمةً بريئة..
أهدي هذه الرواية إلى كل من تعاطف ورّق قلبه مع قلب هذه الطفلة الشابة التي عاشت جميلة وماتت جميلة وعاشت طفلة بريئة وماتت طفلة بريئة لم تمر بأي مرحلةٍ أخرى فجروحها وآهاتها أنستها من تكون وكم حملت السنين لها من زمان وكم سرقت منها حروفاً وكلماتٍ وأنهاراً من الحنان..
إنها صفحات قليلة لكنها مجموع سنين دمرتها الحياة غمرتها الأوجاع والأحاسيس وقتلتها الشياطين والكذبات..
أمان سوزان وقصة حرمان..
للكاتبة فاتنة نورس مزيد